نظرة في دراسة ألمانية

إن تجربة الاتحاد الأوروبي، رغم تصويت بريكست الذي هو عبارة عن احتجاج ثلاثي: ضد ارتفاع الهجرة، وضد مدينة المصرفيين في لندن وضد مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بهذا الترتيب، تظل لدينا نموذجا فريدا للسعي نحو تحقيق الحلم الإنساني في الوحدة والتكامل.

كان لهذه التجربة آثار سلبية على الهجرة القادمة من دول العالم الثالث، والتي يمثل المسلمون فيه الغالبية الساحقة، ومن ثَمَّ يمثلون الرقم الأكبر من الراغبين لدخول "جنة" الاتحاد الأوروبي، خاصة في قسمه الغربي، الذي يتمتع القاطنون به بمستوى معيشة راق، ومنظومة متكاملة من الخدمات والقوانين التي تضمن للمقيم في هذه البلاد حياة متميزة.

فبدخول القسم الشرقي للقارة الأوروبية الذي يتمتع بنفس الثقافة الغربية والعقلية الأوروبية، لم يعد للجانب الغربي حاجة لهؤلاء المهاجرين، ولم يعد مُرحَّبا بهم، خاصة هؤلاء الذين ينتمون للعقيدة الإسلامية، التي صدَّر بعضٌ من أبنائها صورة بغيضة عن أتباع هذا الدين الحنيف، فآمن الغالبية الساحقة من أبناء أوروبا بتباين تلك المنطلقات التي تكون وراء الفعل المغاير لما يصدر عنهم.

إن أميز ما يميز العقلية الأوربية هي تفكيرها المنهجي، وبحثها العلمي، ذلك الذي اكتسبته ثمرةً يانعةً من عصر التنوير والنهضة الذي قادته عقول فلاسفتها وروادها فحررت ذلك العقل لينطلق مبدعا وباحثا، وهذه العقلية الأوربية المستقصية والباحثة، لا تترك أمرا لمحض الصدفة، ولا تدع موضوعا لديها ليتحول إلى ظاهرة تعيق حركة المجتمع أو تحيل ثقافتها إلى ثقافة أخرى.

وذلك الذي أخضع للبحث الوجود الإسلامي في أوروبا التي لم يترك فيها الحكم الإسلامي للأندلس اثرا ذا بال من الناحية العقائدية حيث لم يساهم دخول المسلمين للأندلس في انتشار الإسلام في أوروبا الغربية بالشكل المُتَصوّر، وخصوصا بعد انهيار حكم المسلمين فيها ففي إسبانيا مثلا خلال بداية الألفية الثانية لم تتجاوز نسبة المسلمين فيها الـ 4% من السكان، ولكن موجة الهجرات في القرن الأخير زادت بشكل كبير من وجود المسلمين في أوروبا.

وفقًا لمركزي الأرشيف الألماني للإسلام معهد (دي)، يبلغ عدد المسلمين في أوروبا حوالي 53 مليونا 5.2%، يشمل الرقم كلا من روسيا والقسم الأوروبي لتركيا. ويبلغ عدد المسلمين في دول الاتحاد الأوروبي حوالي 16 مليونا 3.2%. ووفقًا لآخر إحصائية من عام 2010، قام بها "معهد بيو" وصل عدد المسلمين في كل أوروبا، عدا تركيا، إلى 44 مليون نسمة، أي ما يُشكل حوالي 6% من إجمالي سكان أوروبا.

توجد بيانات عن معدلات نمو الإسلام في أوروبا تكشف عن أن عددًا متزايدًا من المسلمين يقطنون في أوروبا يرجع أساسًا إلى الهجرة وارتفاع معدلات الإنجاب في دراسة أجراها "معهد بيو" حول المسلمين، وجدت أن من المتوقع أن تصل نسبة المسلمين في أوروبا إلى حوالي 8% من سكان أوروبا عام 203 وذلك بسبب زيادة نسبة المسلمين في أوروبا حاليا والمتوقعة مستقبلًا والتي سببها الرئيسي هو انخفاض معدل المواليد الأوروبيين مقابل ارتفاع معدلات الانجاب أوساط المسلمين، كما ذكرنا آنفا، بالإضافة إلى تدفق المهاجرين المسلمين من المغرب العربي وتركيا وأفريقيا.

ذلك الذي دفع إلى سؤال جوهري حول مستقبل الهوية الأوروبية والثقافة الغربية في ضوء هذه الزيادة الإسلامية، ما دفع "معهد برتلسمان شتيفتنغ" الألماني إلى إجراء دراسة أوضحت بعض النقاط الهامة كان على رأسها، أن اندماج المهاجرين المسلمين يسجل "تقدما واضحا" في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وسويسرا والنمسا، رغم العقبات التي تواجههم في مجال التعليم والعمل.

وجاء في الدراسة التي نشرت أن غالبية الجيل الثاني من المسلمين اندمجوا في مجتمعات تلك الدول.

وشملت الدراسة عينة تمثيلية من المسلمين في ألمانيا بأكثر من 1100 مسلم، و500 مسلم من كل من الدول الأوروبية الأخرى التي شملتها الدراسة.

واعتمد المعهد في نتائجه على عدة مؤشرات لاندماج المسلمين البالغ عددهم نحو 14 مليون مسلم في الدول الأوروبية المشمولة في الدراسة، من بينها اللغة والتعليم والعمل والعلاقة مع غير المسلمين.

واعتبر المعهد أن "الاندماج الناجح ملفت لأن أيا من هذه الدول الخمس لا تقدم فرصا جيدة باستمرار للمشاركة، وأن المسلمين يواجهون رفضا صريحا من قبل نحو خمس السكان".

تلك الدراسة التي لم يتناولها كثيرا الإعلام أثبتت أن "الإسلام لا يعرقل الاندماج، وأن المسلمين وحتى المتدينين جدا منهم يتعلمون اللغة الجديدة ويسعون للوصول إلى مستويات عليا من التعليم على نفس الدرجة لدى المهاجرين الآخرين".

وفي الجيل الثاني حسب الدراسة، يكمل نحو 67 في المئة من أبناء المهاجرين المسلمين دراستهم بعد الشهادة الثانوية (17 عاما)، وهي نسبة مرتفعة، وهنا ننبه على أهمية الاعتناء بالجيلين الثاني والثالث من أبناء مصر في المهجر الغربي، ذلك الذي نادينا به منذ سنوات، حيث إننا من هؤلاء المؤمنين بما يمكن أن يضيف أبناء هذين الجيلين لمصر ومساهمتهم بكل فعالية في نهضة مصر الحديثة.

وفي مؤشر آخر على تحسن الاندماج ذكرت الدراسة أن 75 في المئة من المسلمين في تلك الدول يقضون وقت فراغهم مع غير المسلمين.

وقال غالبية من شملتهم الدراسة (94 في المئة) أنهم مرتبطون بالبلد الذي استقبلهم رغم التعبير عن رفض المهاجرين في بعض الدول.

وشملت الدراسة إلى جانب المسلمين عينة تمثيلية من السكان بشكل عام في كل دولة أوروبية تراوحت بين ألف و1500 شخص، لدراسة معدل قبولهم للمسلمين وغيرهم من الأقليات.

ولدى سؤال أولئك عن موقفهم من وجود جيران مسلمين لهم، أظهرت النتائج نسبة رفض تمثلت بـ 28 بالمئة في النمسا، و21 في المئة في بريطانيا، و19 في المئة في ألمانيا، و17 في المئة في سويسرا، و14 في المئة في فرنسا، فيما تدنت نسب الرفض لجيران من المثليين أو من أصول أفريقية، ذلك الذي عكس نظرة سلبية للمسلمين، والتي من شأنها أن تعرقل عملية الاندماج التي تبذل فيها الحكومات الأوربية جهودا كبيرة وتنفق فيها أموالا طائلة.

الكاتب : بهجت العبيدي
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية