الجماعات البناوية وعبثية المصالحة

هل يختلف مآل محاولات الصلح بين الدولة والجماعات البناوية (جماعة الإخوان وشقيقاتها)، عن مآل محاولات سبقت، أم نفاجأ بعودة المطاريد إلى قلب المشهد؟ لا نعلم إلا أن الصلح إن وقع فلن يكون سوى هدنة تنقضها واحدة – على الأقل – من هذه الجماعات وتتبعها الأخريات، إن عاجلا أو آجلا.

فمشروع هذه الجماعات هو، من بداياته، حرب على المجتمع والدولة.

تجد بدايات التوجه الذى تعبر عنه المنظمات البناوية إلى اليوم، فى تجربة رجل عرفناه باسم جمال الدين الأفغانى، وتلميذيه محمد عبده ورشيد رضا. تندرج هذه التجربة ضمن مشروع للهندسة الاجتماعية - السياسية لمصر ونَجْد، على أسس استبدادية سلفية، وفق الخبرة البريطانية فى الهند. ويقضى هذا المشروع- الذى طوره محمد عبده للأفضل، ثم نزل به رشيد رضا إلى مستنقع لم يخرج منه لليوم- بأن يتجاوز المصريون طموحاتهم الوطنية ليؤسسوا كيانا يضم كافة الشعوب المسلمة، وينتقلوا من إطار افترضوه معبرا عن علمانية فرنسية تفصل بين الدين والدولة، ليقتربوا من العلمانية البريطانية التى تجعل الملكة رأس الدولة والكنيسة معا.

ألقت بالأفغانى على رصيف ميناء السويس سفينة «حكومية» من الهند البريطانية، قبل أن يدور فى المنطقة، ثم يدعوه لبلادنا اليهودى الإزميرلى يعقوب الوزان الذى عرفناه فى مصر مسلما يدعى مصطفى رياض، ضمن مشروع الأخير صاغه البريطانيون والفرنسيون لعزل إسماعيل باشا، وربما توهم الأفغانى أنه سيكون سيد الخديو الذى سيحل محل إسماعيل، وسيكون موجهه، وأنه سيمضى بالبلاد إلى حكم المشايخ، إلى ما يعرف اليوم بولاية الفقيه.

ورغم الدور الذى لعبه الأفغانى لتخليق فئة شابة من الأدباء والإعلاميين والناشطين الأهليين، ودور محمد عبده – خاصة بعد أن فارق الأفغانى - فى تطوير التعليم والإعلام، وفى تعميق الشعور بحق المحكوم على الحاكم، فلا يغفر لهما دورهما فى زيادة حدة أزمة إسماعيل، وانحياز محمد عبده ضد عباس، حبيب الشعب، وتحول مشروعهما، مع رشيد رضا وتلاميذه، إلى أداة لتحويل السلفية المصرية إلى استبداد سلفى.

وكما ظهر الأفغانى، ليدعو لتجاوز الوطنية، فى لحظة تأسيس الخديوية (الحكم الذاتى الإدارى والسياسى)، ظهر البنا فى لحظة انتقال مصر من محمية بريطانية إلى ملكية شبه مستقلة، وسعى مثله لتجاوز الوطنية بخطاب صبيانى عن الخلافة التى اندثرت، وعن إخضاع العالم كله بقوة فرق الجوالة التابعة له.

وورث البنا عن الأفغانى، حركية شعبوية بلا تنظير، وربط القيادة السياسية بالقيادة الدينية، على النحو الذى تجده عند الشيعة. وقد تجد هنا تفسيرا لاهتمام البنا بدار التقريب بين المذاهب، وقبول الخمينى باقتراح يوسف ندا أن يكون لقبه هو «المرشد الأعلى».

وتجد أصول الاستبداديين السلفيين عند الإخوان المسلمين وعند آيات الله فى عبارة قالها الأفغانى وهو فى إسطنبول: أين الحرية المطلقة للخليفة فى تصريفها على وجه الشريعة أو السير على سيرة الراشدين؟. وهذه دعوة لـ«حرية مطلقة» للحاكم، ما دمنا سميناه خليفة، وإسقاط لخبرات تاريخية مطولة بين عصر الراشدين وبين القرن التاسع عشر.

ويبقى أن الفارق الأساسى بين الأفغانى والبنا، أن الأول – فى مرحلته المصرية - لم يكن قائد تنظيم، أما البنا فقد أسس تنظيما اعتبر أن حقيقته فى جهازه السرى، عندما قال بلغة النجارين، ما معناه: النظام الخاص هو الورشة، والجمعية العلنية هى المعرض. وتجد أسس السرية والنخبوية فى فكرة طرحها محمد عبده على الأفغانى، لإعداد «جيل جديد» يتربى على أيديهما، كما تربى المختارون من بنى إسرائيل على أيدى موسى وهارون فى التيه، بعيدا عن الأعين (داخل الورشة). وقدر عبده المدة اللازمة لإعداد جيل «يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويؤمن بالله ورسوله» بخمسة عشر عاما. وبعده بأكثر من مائة عام، نجد الإخوان يقولون لنا إنهم يعملون على إنشاء الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، وصولا إلى المجتمع المسلم.

أى أن المصريين ينتظرون هؤلاء «المنقذين»، من أيام الأفغانى ومحمد عبده لأيام عاكف وبديع، حتى يصبحوا مسلمين حقيقيين. ولأنهم فشلوا فهم يعتبرون «أن معيار الإيمان مختل فى البلاد، وبالتالى فإن أهلها لا يستحقون العيش فى سلام» (يوسف زيدان، المصرى اليوم، 23 أغسطس). فمن يصالح هؤلاء؟

الكاتب : أسامة الغزولي
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية