كلمة «فؤاد السنيورة» في حفل إطلاق مذكرات عمرو موسى عن دار الشروق

حضر رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة، حفل إطلاق مذكرات عمرو موسى "كتابيه" الصادر عن دار الشروق، من فندق ماريوت، مساء اليوم الخميس.

وفيما يلي نص كلمته: الأخ والصديق عمرو موسى،

أيها الأصدقاء،

ليست هذه المرة الأولى التي أجِدُ فيها نفسي مندفعاً للحديث عن الدكتور عمرو موسى باعتبار شخصيته ومساره نموذجاً لعملٍ ثُلاثي الأبعاد في الوظيفة العامة، وفي العمل الوطني والقومي من خلال وزارة الخارجية المصرية، ومن خلال الأمانة العامة للجامعة العربية.

إنّ المناسبة هي صدور مذكّرات الدكتور عمرو موسى عن عمله الوظيفي والسياسي، والوطني والاستراتيجي. ومن خلال هذه السيرة الذاتية ومن خلال تحولات المسارِ ونجاحاتِه وتحدياتِه وإرغاماته، ومن خلال الآفاق الحاضرة والمستقبلية لهذا العمل السياسي الكبير على مدى أربعة عقودٍ ونيِّف،هناك مساحةٌ رحبةٌ للتأمل والتفكير التقييمي والنقدي والاستشرافي المستنير والجامع.

الإخوة والأخوات،

إنّ الأزمة التي تُعاني منها أمتُنا ودُوَلنا ولاسيما منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، ليست عاديةً أو عابرة في مسار الدولة الوطنية العربية في القرن العشرين.

ولأسبابٍ مختلفةٍ وعديدة، كان الأستاذ المصري الراحل والبارز نزيه الأيوبي قد قيَّمها في كتابه: "تضخيم الدولة العربية:السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط-Overstating of the Arab State "، الصادر عام 1994 بأنها بلغت حالة الانسداد، على مستوى سائر وظائف الدولة الحديثة: الوظيفة العامة أو بيروقراطية الدولة وقدرتها على القيام بمهامها الأساسية في إدارة المصالح العامة، وإدارة العمل السياسي الداخلي، وإدارة السياسات الخارجية، وإدارة العمل العربي المشترك. ولا ينبغي ان ننسى أنّ الرجل كتب كتابه بعد حرب الخليج الثانية أو تحرير الكويت 1990- 1991.

إنّ مذكّرات عمرو موسى لربما تختلف عن سائر أعمال السير الذاتية التي صدرت لسياسيين عرب عملوا خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فتلك المذكرات لا تقصد إلى التبرير والتسويغ، ولا إلى ذكر الإنجازات، ولا إلى التأريخ، أو ذكر نتائج السياسات الإيجابية أو السلبية للدولة المصرية والدول العربية الأُخرى. إنّ أبرزَ ما فيها هو استعراضُ سيرة رجلٍ امتلك وعياً قوياً بتحديات المسارَين الوطني والعربي، وسط الانسدادات التي نالت من بنية الدولة الوطنية، وليس فقط من سياساتها الداخلية والخارجية، وعلائقها بالعالم. فالدولة المصرية هي أعرقُ دول المنطقة العربية والإفريقية والآسيوية في مجال بناء الوظيفة العامة في الدولة الوطنية الحديثة. والدكتور موسى يطلِعُنا من خلال سيرته الذاتية أولَ ما يُطلِعُنا على كفاحات المسار الوظيفي في وزارة الخارجية المصرية، والتي كان لها هدفان: العمل المؤسَّسي والمحترف الذي طبع أعمال الدولة المصرية من جهة، والتحديان المتلازمان في هذا العمل: تحدي المواجهة مع إسرائيل من جهة، وتحدي العمل العربي المشترك الذي كان له هدفان أو حَكَمَهُ عاملان أيضاً وبدوره: دور مصر المتميّز في العمل العربي منذ نشأة وزارة الخارجية المصرية، وقيادتها لهذا العمل منذ قيام الجامعة العربية بالإسكندرية عام 1945.

لقد كانت هناك شخصيات مصرية أُخرى قبل عمرو موسى لعبت الدورين: في وزارة الخارجية المصرية، وفي الجامعة العربية. لكن عمرو موسى وبسبب طول المدة، وبسبب الاحتراف، وبسب المعايشة لمختلف المراحل، كان بوسعه أن يتأمل ويفعل، من ضمن أعراف الوظيفة العامة في الدولة، ومن ضمن الدور المتميز لجمهورية مصر العربية، ومن ضمن العلاقات العربية والدولية لمصر في زمن ازدهار العمل العربي المشترك، وكذلك في زمن تراجعه وانكساره. إلاّ أنّ هناك أمراً آخر تميز به مسار عمرو موسى في وزارة الخارجية، وفي الجامعة العربية. ففي زمن عمرو موسى فقط ويكاد يكون للمرة الأولى، صارت أعماله في وزارة الخارجية، وفي الجامعة العربية، وبسبب شخصيته المتميزة، ذات شعبية ومتابعة بالداخل المصري، وهي ميزة ما عرفتها إلى هذا الحدّ قبله أعمال الوزراء المصريين الآخرين للخارجية والأُمناء المصريين الآخرين للجامعة العربية قبلَه.

ما هو البارزُ في مسار عمرو موسى الوظيفي؟ في العقود الأخيرة صارت الوظيفة العامة أو البيروقراطية سُبّةً، ليس في المجال العربي فقط، بل حتى وفي المجال العالمي. والحجةُ ضآلةُ الكفاءة، والفساد. وهذا الأمر فيه الكثير من التجنّي الناجم في مجالنا العربي عن الفشل في أعمال الدولةالوطنية وفي المشكلات التي نجمت عن ممارساتها الداخلية والخارجية. كما أنه ناجمٌ عن الطابع الثوري للأنظمة التي قامت على أكتاف الضبّاط، وصارت البيروقراطية أو إدارة المصالح العامة للمواطنين وبما راكمته من انطباعات سيئة لدى عامة الناس، تعتبر حائلاً دون التغيير الثوري. لكنْ كان من حُسْن الحظّ انّ هذه السلبية ربما لا تنطبقُ كثيراً على مصر، بقدْر ما تنطبقُ على الأنظمة الأُخرى في العالم العربي، في النصف الثاني من القرن العشرين.

هناك من يقول أنه ما كانت هناك تفرقةٌ قويةٌ في مصر بين أهل الثقة وأهل الكفاءة. ولذلك ربما ظلّت هناك ميزةٌ أساسيةٌللإدارة المصرية في مراتبها العليا حاضرةً وبارزة، وهي الاحتراف. وهي الميزةُ أو الخصيصةُ التي يُطلِعُنا عمرو موسى عليها خلال عمله في وزارة الخارجية المصرية لسنوات طويلة. فهو ما احترف العملَ الإداريَّ في الوزارة فقط، بل واحترف معرفةَ العالم العربي، والمجالَ الدولي، بالمتابعة اليومية، ومع التمادي والتطاول: بالخبرة والتجربة. وهكذا توافرت في شخصيته وعمله الميزات الأربع الرئيسية للإدارة في الدولة الحديثة: الاحتراف، والكفاءة، والرؤية الواسعة والصحيحة لأحوال العالم، والقدرة على التلاؤم المستمر مع المتغيرات والتحولات.

والاحترافُ هو الشأن الدائم في الإدارة العامة، لكنه لا يصبح ميزةً بالفعل إلاّ مع الكفاءة والرؤية الواسعة والصحيحةوالقدرة على التلاؤم المستمر، وبالتالي بالاقتران بينهاجميعاً. ولذلك فإنّ عمرو موسى صار كما سبق القول ظاهرةً وسط الانسدادات التي نالت من فعالية الدولة الوطنية وأدائها لوظائفها. وهي الانسدادات التي نالت أيضاً من سُمعة الإدارة التي تريد أن تكونَ ناجحة في عيون المواطنين، ومنها ما يتعلق بالنسبة...

سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
0 :التعليقات
أضف تعليق
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية