صحافة الضمير (1- 2)

هى لحظة أو قرار أو موقف فى حياة شخص أو مهنة أو مؤسسة قد ينقلها إلى الأمام أو يقضى عليها، وهذه ربما قصة واحد من أهم الأفلام السينمائية التى عالجت قضايا الصحافة فى العالم وهو The post الذى مازال يُعرض فى عدد محدود من دور العرض فى مصر.

وتدور أحداث الفيلم أثناء حرب فيتنام ودور الصحافة فى كشف جوانب مظلمة وسرية فى هذه الحرب، كان بطلها صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية الشهيرة.

وتبدأ قصة الفيلم حين قام أحد الباحثين الأمريكيين بأخذ وثائق سرية كتبها وزير الدفاع الأمريكى الأسبق «روبرت ماكنمار» وتوقع فيها أن أمريكا ستخسر حرب فيتنام، ومع ذلك أصر الرؤساء الأمريكيون على الاستمرار فيها بحثا عن مجد شخصى أو «عدم إذلال أمريكا وإضعاف هيبتها» أمام العالم، بما يعنى أنهم يتحملون مسؤولية مقتل آلاف الشباب فى حرب أخفوا طبيعتها وتفاصيلها عن الشعب بل وأعلنوا أكثر من مرة عن انتصارات وهمية كان ما يجرى على الأرض هو عكسها تماما.

أعطى الباحث الأمريكى الوثائق أولا إلى صحيفة «نيويورك تايمز» التى نشرتها فى صدر صفحتها الأولى وهى تؤكد استحالة انتصار أمريكا فى الحرب (وهو ما جرى) رغم تضليل الرؤساء الأمريكيين للشعب.

وعقب نشر الوثائق انقلبت الدنيا، واعتبر الرئيس نيكسون، الذى كان فى السلطة فى ذلك الوقت، ومعه وزارة الدفاع، أن نشر الوثائق يضر بالأمن القومى الأمريكى، وبأرواح الجنود الأمريكيين، وقدم بلاغا للمدعى العام الأمريكى الذى قرر وقف نشر الوثائق لأنها تضر بالأمن القومى وبمصالح أمريكا.

توقفت «نيويورك تايمز» عن النشر، وانطلق صحفى آخر من صحيفة منافسة وهى «واشنطن بوست» يبحث عن الباحث الذى جلب الوثائق، وعقب طرق بوليسية ملتوية وإجراءات تأمين تذكرنا باجتماعات التنظيمات الشيوعية فى عالمنا العربى (الاتصال من تليفون عمومى وليس خاصا، والتعامل مع أكثر من وسيط حتى يصل إلى الشخص المطلوب) استطاع الصحفى أن يصل للباحث مصدر الوثائق ويأخذها منه.

واستغلت «واشنطن بوست» المساحة الرمادية فى قرار المدعى العام الذى طالب «نيويورك تايمز» بوقف النشر وليس باقى الصحف، بما يعنى أن أمامها فرصا للنشر لو أخذت الوثائق من مصدر آخر غير الصحيفة المحظور عليها النشر.

وبالفعل حصلت «واشنطن بوست» على الوثائق لتشهد نقاشا داخليا عنيفا وضغوطا متعددة من قبل مالكى أسهم الصحيفة من أجل عدم نشر الوثيقة، كما مارست الدولة ضغوطا عليها للوصول لنفس الهدف.

النقاش الذى دار بين محررى الصحيفة وملاكها وبين الدولة حوار ثرى وحى وعابر للزمان والمكان لأن مفهوم الصحافة أو فلسفة وجودها هو نقل الأخبار بحياد ومهنية مهما كانت طبيعتها أو كما قال رئيس التحرير إن الصحافة للمحكومين وليس الحكام، إلا أنها فى نفس الوقت عليها أن تحترم الدستور والقانون ولا تحرض على العنف والكراهية ولا تتسبب فى ضرر لشعوبها.

نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الوثائق (سرى للغاية) ولم تعتبر أنها تضر بمصالح الشعب إنما هى تبصره بما يفعله حكامه من تضليل وكذب.

اللقطة الأهم فى الفيلم التى أخرجت تعبير «صحافة الضمير» لم تكن فى نشر الوثيقة إنما فى مشهد آخر نستكمله غدا.

[email protected]

الكاتب : عمرو الشوبكي
سيعجبك أيضا
تعليقات الأعضاء
تنبيه هام: يؤكد موقع جريدتك اليوم أنة غير مسؤل عن صحة أو مصداقية هذا الخبر حيث تم نشرة نقلأ عن المصدر المشار إلية في المادة الإخبارية وأنة لا يتحمل أي مسؤلية قانونية أو أدبية قد تنتج عن أضرار ناجمة عن هذة المادة الإخبارية